
دائرة الصّمــتِ والعتــابِ
من مجموعة ذاكرةُ المرايا
للكاتبة/ هويده عبد العزيز
في ظِلالِ الغَسَقِ الأَخيرِ، جَلَسَتْ “ن” وَحيدَةً في شُرْفَةِ بيتِها، سَمَا الغُرُوبُ بِوَهَجٍ دَافِئٍ، دافعا رُكَامُ السَّحَابِ في جِبَالٌ مِنَ الصَّمْتِ اللَّانِهَائِيِّ، فَشَكَّلَتْ لَوْحَةً بَدِيعَةَ الأَلْوَانِ، تَغْمُرُ الحَوَاسَّ بِفَيْضِ من جَمالِ اللَّحْظَةِ العَابِرَةِ.
جَثَمَ ليلُ الأشواقِ، تَأَمَّلَتْ نَجْمًا خَفَتَ بَرِيقُهُ، لَكِنْ لَوَاعِجُ بُرْكَانٍ دَاخِلَهَا بَدَأَتْ بِالثَّوَرَانِ. النَّسِيمُ العَلِيلُ الَّذِي هَبَّ بَيْنَ أَشْجَارِ الكَافُورِ لَمْ يَكُنْ كَافِيًا لِإِخْمَادِ اللَّهِيبِ الَّذِي تَصَاعَدَ فِي صَدْرِهَا وَبَرَكَ عَلَى أَنْفَاسِهَا، ذَلِكَ اللَّهِيبُ الَّذِي أَجَّجَتْهُ نِيرَانُ الغِيرَةِ وَغَذَّتْهُ جِبَالُ الشَّكِّ، بَاتَ شَبَحًا يَسْرِقُ هُدْأَةَ لَيْلِهَا وَيُعَكِّرُ صَفْوَ سَمَائِهَا، لِيُحِيلَ لَحَظَاتِ السَّكِينَةِ إِلَى بَحْرٍ جَارِفٍ مِنَ الضَّيَاعِ وَالأَوْهَامِ.
وَضَعَتْ هَاتِفَهَا جَانِبًا، وَتَسَاءَلَتْ عَنْ هُوِيَّتِهَا:
مَاذَا تَعْنِي لَهُ؟ مَا الَّذِي يُمَيِّزُهَا عَنْ غَيْرِهَا؟
هَلْ ذِكْرَى، اسْتَهْوَاهُ جَمَالَهَا؟ أم رَائِحَةُ عِطْرٍ اسْتَلْهَمَتْ بَهْجَةَ الطُّفُولَةِ؟ أَمْ حَاضِرٌ بَيْنَ نَاظِرَيْهِ تَهَاوَى فِي تَفَاصِيلِهِ، فَخَلَعَ عَنْهُ قَلْبَهُ؟
مَا أَقْبَحَ الغِيرَةَ! مَا لَهَا رَاقٌ وَلَا تِرْيَاقٌ.
كَأَنَّهَا جَحَافِلُ تَقْبَعُ سَاحِرَةً عَلَى حَوَافِهَا، تُشْعِلُ نَارَهَا بِأَنْفَاسِهَا المَسْمُومَةِ، لِتُحْرِقَ مَا تَبَقَّى فِي حَظَائِرِ القَلْبِ مِنْ أَمَلٍ وَذِكْرَيَاتٍ.
تَدَافَعَتِ الذِّكْرَيَاتُ رَغْمًا عَنْهَا. تِلْكَ اللَّحَظَاتُ الَّتِي جَمَعَتْهُمَا لَمْ تَعُدْ لَهَا وُجُودٌ فِي الوَاقِعِ، بَلْ كَانَتْ تَقْتَحِمُ عَقْلَهَا وَتُؤَجِّجُ فِكْرَهَا.
مَتَى امْتَهَنَ الحَطَّابَةَ، لِيَخْتَبِرَ مَادَّةَ اشْتِعَالِهَا فِي قَلْبِهَا؟
تَعَامَى عَنْ وُجُودِهَا مِرَارًا وَتِكْرَارًا، مُذ كَانَ فَرَسًا جَامِحًا فِي طَلَاقَتِهِ وَلَبَاقَتِهِ مَعَ الأُخْرَيَاتِ. أَثَارَ حَفِيظَتَهَا.
مَشْهَدٌ وَاحِدٌ مُتَكَرِّرٌ أَمَامَ عَيْنِهَا: الرَّجُلُ الَّذِي هَامَتْ بِهِ وَعَشِقَتْهُ بِكُلِّ جَوَارِحِهَا لَمْ يَكُنْ إِلَّا سَرَابًا فِي صَحْرَاءِ المَشَاعِرِ، زَادَهَا تِيهًا عَلَى تِيهٍ. وَلَكِنْ كُلَّمَا تَذَكَّرَتْ كَمْ كَانَتْ تُحِيطُهُ بِحُبٍّ خَالِصٍ،
شَعَرَتْ بِأَنَّ الذِّكْرَيَاتِ تَعَضُّ قَلْبَهَا وَتُنهشُ مَعَهَا رُوحَهَا، حَتَّى بِالكَادِ تَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهَا. لَيْسَتِ الغِيرَةُ مُجَرَّدَ كَائِنٍ هَلَامِيٍّ عَابِرٍ، يَزُولُ بِزَوَالِ العَارِضِ، بَلْ وَحْشٌ أُسْطُورِيٌّ ” كِمّير” تَمَخَّضَ عَنْ رجُل الثّلجٍ.
فَجْأَةً، رَنَّ جَرَسُ البَابِ:
شَعَرَتْ وَكَأَنَّ شَيْئًا دَاخِلَهَا يَدْفَعُهَا لِلْهَرَبِ. أَخَذَتْ خَطَوَاتِهَا تَتَثَاقَلُ نَحْوَ البَابِ، كُلُّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا كَانَتْ تَقُودُهَا إِلَى احْتِمَالٍ. لَا رَغْبَةَ فِي أَنْ تَتَشَافَى، وَلَا أَمَلًا لِلْخَلَاصِ مِنْ هَذَا الَّذِي يُسَمِّيهِ عُلَمَاءُ النَّفْسِ “الهُرَاء الجَمِيل”.
ابْتَسَمَ كَعَادَتِهِ؛ كَذِئْبٍ رُوحُهَا المَاكِرُ، ابْتِسَامَةٌ تَنِمُّ عَنْ دَهَاءٍ وَمَكْرٍ حِينَ يَتَلَاعَبُ بِأَعْصَابِهَا كَحَمَلٍ وَدِيعٍ. ابْتِسَامَةٌ قَادِرَةٌ أَنْ تُذِيبَ صَقِيعَ القَلْبِ وَتُبَدِّدَ ظُلُمَاتِ اللَّيْلِ، فَتُحِيلَهُ ضِيَاءً.
هَلْ تَغْفِرُ لَهُ قَسْوَتَهُ وَتَجَاهُلَهُ المُتَعَمَّدَ إِزَاءَ غِيرَتِهِ المَجْنُونَةِ؟
هَلْ تَسْتَطِيعُ التَّعَامُلَ مَعَ مِزَاجِيَّتِهِ المُفْرِطَةِ؟
أَنْ تَحْتَمِلَ حَسَّاسِيَّتَهَا المُفْرِطَةَ كَوْنُهُ يَرَاهَا مَضْمُونَةً أَوْ حَتَّى قَابِلَةً لِلِاسْتِبْدَالِ؟
عَلَاقَتُهُمَا الَّتِي تَدْنُو مَعَ كُلِّ لَحْظَةٍ مِنْ رَائِحَةِ الدُّخَانِ.
هَلْ بِإِمْكَانِهَا أَلَّا تَكُونَ نُسْخَةً بَاهِتَةً، مِرْآتَهُ، تُحَاكِي طَيْشَهُ وَجُنُونَهُ وَعِنَادَهُ؟
رُبَّمَا لَنْ يُعِيدَ الزَّمَنُ نَفْسَهُ لِاسْتِرْجَاعِ نفسها القديمة الَّتي ضَاعَتْ فِي مَوَاقِدِ الغِيرَةِ وَالحيْرَةِ، وَلَكِنْ عَلَى الأَرْجَحِ، يَبْقَى بَيْنَهُمَا مَا يَكْسِرُ دَائِرَةَ الصَّمْتِ وَالعِتَابِ.






